تبدأ الرواية بطريقة صادمة وغير مألوفة؛ إذ يتم العثور على أربعين جثة لرجال مذبوحين، وُضع في فم كل واحد منهم عضو ذكري مبتور، وذلك في ميدان داخل مدينة يبدو جميع سكانها وكأنهم دمى بلا روح.
رواية عصور دانيال في مدينة الخيوط تأليف أحمد عبد اللطيف
هذه الافتتاحية الغرائبية توحي منذ اللحظة الأولى بأن القارئ أمام عمل فانتازي أو عبثي، غير أن التوغّل في تفاصيل الرواية يكشف سريعًا أن الأمر أعمق وأقسى من ذلك بكثير.
في هذا العمل، يسلّط أحمد عبد اللطيف الضوء على قضية شديدة الحساسية وغالبًا ما يتم تجاهلها أو الصمت عنها، وهي قضية اغتصاب الأطفال، وما تتركه من آثار نفسية مدمّرة تمتد طوال حياة الضحية.
ومن هنا يمكن تصنيف الرواية بوصفها رواية نفسية من الطراز الأول، تهتم بتشريح الداخل الإنساني أكثر من اهتمامها بالأحداث الظاهرة.
دانيال، بطل الرواية، يعيش أسير صدمة قديمة تعود إلى طفولته، وتنعكس هذه الصدمة بوضوح في أسلوب السرد المتشظي، وتكرار الأحداث عبر فصول متعددة، بشكل يجعل القارئ يشعر أحيانًا وكأنه يقرأ عن أكثر من شخصية، رغم أن الجوهر في النهاية يعود إلى شخص واحد.
يتلاشى الحد الفاصل بين الواقع والخيال، ويصبح من الصعب التمييز بين ما حدث بالفعل وما هو مجرد إسقاطات ذهنية، وهو ارتباك مقصود يخدم الحالة النفسية المضطربة للبطل.
وعلى الرغم من هذا التشويش السردي، فإن الرواية مكتوبة بحرفية عالية وبراعة لافتة. لغة الكاتب قوية ومتقنة، كما أن الفصول جاءت قصيرة نسبيًا، لا يتجاوز معظمها خمس صفحات، وهو ما أضفى على النص سلاسة واضحة وساعد على استمرار القراءة دون ملل.
ويُلاحظ تأثر الكاتب بأسلوب خوسيه ساراماغو، خاصة وأن أحمد عبد اللطيف قام بترجمة ما يقرب من ثلاثين كتابًا إلى اللغة الإسبانية، من بينها أعمال لساراماغو نفسه.
ويتجلى هذا التأثر في غياب علامات الترقيم والفواصل تقريبًا عن النص، ما يجعل القراءة في بدايتها تحديًا يتطلب تركيزًا عاليًا، قبل أن يعتاد القارئ على الإيقاع الخاص للرواية.
السرد هنا مختلف، بل يمكن وصفه أحيانًا بالعبقري، وهو دون شك أحد أبرز عناصر القوة في العمل. فقد نجح الكاتب، بشكل غير مباشر، في نقل حالة التخبط والاضطراب النفسي التي يعيشها بطل الرواية، وجعل القارئ يتماهى مع هذا التوتر الداخلي.
عصور دانيال في مدينة الخيوط بين الغموض والتيه
بوجه عام، جاءت الرواية عملًا متقنًا ومثيرًا للإعجاب، وإن كان الربع الأخير منها قد اتسم بشيء من الغموض والتيه، حيث يصعب الجزم إن كانت الأحداث الأخيرة وقائع حقيقية أم مجرد تهيؤات ذهنية.
ومع ذلك، يظل العمل في مجمله ذكيًا، عميقًا، ومكتوبًا باحترافية عالية تستحق التقدير.

0 تعليقات